هشام جعيط
166
نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "
الحقيقة أن بابل ليست سوى الوجه الرمزي للشرق . وإن أتينا على ذكرها ، فإنما ذكرا للمدينة الشرقية بصفتها تصورا متماسكا للمجال ، وتقليدا ما زال حيا . وهناك نقطتان تسمحان بتثبيت آرائنا في هذا الموضوع ، هما قضية المركز وقضية السكك . تحدث وولي Wooley عن مساحة مقدسة Temenos مخصصة للمعبد منذ أن ظهرت المدينة السومرية « 1 » . لكن أوپنهايم Oppenheim « 2 » زاد الأمر توضيحا في مثل هذا الميدان الذي بقي من أكثر الميادين غموضا وتضاربا ، فهو يرى أنه لم يوجد « مركز للمدينة بالمعنى المضبوط يتشكل من القصر والمعبد وساحة السوق » في السهل الغريني لبلاد الرافدين أي بلاد بابل بل إنه يوجد خلافا لذلك فاصل دال بين المعبد والقصر فتتركز حياة القصر بالأبواب ( قارن بباب المدينة المستديرة حيث مقام الخليفة ) « 3 » . لكن ينبغي استثناء بابل العصر الكلداني حيث تمت الصلة بين القصر والمعبد بتأثير آشوري . فاتضح أن هذه الصلة التي جعلت من ذينك العنصرين وحدة مدنية مركزية هي ظاهرة مصدرها أعلى بلاد الرافدين ، وأن مفهوم القلعة آشوري النشأة . هناك المعبد والقصر ملتحمان ماديا ويقعان في سياج محاط بسور وحيد « 4 » ، طاردا الدور إلى الخارج ، ما عدا بعض المساكن التي كانت تسد الفجوات بالداخل ، والتي أتاحت لهذا المركز أن يعرف باسم المدينة - القلعة . وما يلفت النظر أن نبوخذنصر حاكى النموذج الآشوري المختلف كثيرا عن النموذج البابلي القديم ، لكنه فعل ذلك وصححه تصحيحا كبيرا تمثل في عدم ارتباط القصر بالمعبد ارتباطا مباشرا « 5 » . توجد وجوه شبه تفرض نفسها على الذهن ، عند المقارنة بالكوفة ، لكن ينبغي الاحتياط في ذلك . نلحظ بالكوفة تمييزا بين المركز السياسي الديني والمحيط الصالح للسكن ، ووجود مركّب يشمل المسجد والقصر مشكّل لوحدة فريدة مترابطة ماديا وتكون إذن بحسب النمط الآشوري . لكنّ هذا المركز لم يشكل قلعة في العصر الأول حيث لم يشيد أي سور ، ولا حتى في العصر الأموي حيث حصل فعلا تحصين للمسجد والقصر ، إلا أنه كان لكل منهما سور خاص به . إن المساحة العمومية كما أوضحناها كانت تشمل الأسواق والرحبة والآري . وكان يحدها في بداية الأمر خندق ، لكنها لم تحظ بسور أبدا ، إذ لو كان لها هذا الحزام لاكتست طابع المدينة - القلعة ، مثلما كانت بغداد في عصر المنصور . وحين عزم
--> ( 1 ) في أور : . History of Mankind , I , p . 421 ( 2 ) Ouvr . cit . , pp . 142 - 146 . ( 3 ) « كان للأبواب . . . وظيفة أخرى هي وظيفة « المركز » : M . Rutten , pp . 38 - 40 ; Oppenheim , p . 141 ( 4 ) لم تتم فقط إزاحة الفصل بينهما ، بل إنهما « شكلا وحدة مدنية تحتل موقعا مركزيا » : . Oppenheim , p . 141 . على أن القلعة في آشور ذاتها كانت جزءا من التحصينات . ( 5 ) كان القصر يقع على السور ، في حين أن معبد مردوك كان في المركز : . Oppenheim , p . 146 .